محمد الغزالي
140
خلق المسلم
على هاتين الحقيقتين يقوم الصبر . ومن أجلهما يطالب الدين به ، بيد أن الإنسان ، ومن عادته تجاهل الحقائق ، يدهش للصعاب إذا لاقته ، ويتبرم بالآلام إذا مسته ، ويقوم له من طبعه الجزوع ما يبغض له الصبر ، ويجعله في حلقه كريه المذاق . فإذا أحرجه أمر ، أو صدمته خيبة ، أو نزلت به كارثة ، ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، وضاقت عليه الأيام مهما امتدت ! ! وحاول أن يخرج من حالته بأسرع من لمح البصر . . . وهي محاولة قلما تنجح ، لأنها ضد طبيعة الدين والدنيا ، وأولى بالمسلم أن يدرب نفسه على طول الانتظار ، قال تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ « 1 » . وفي الحديث : « . . ومن يتصبر يصبّره اللّه ، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر » « 2 » . والصبر من معالم العظمة وشارات الكمال ، ومن دلائل هيمنة النفس على ما حولها ولذلك كان « الصبور » من أسماء اللّه الحسنى ، فهو يتمهل ولا يتعجل ويبطىء بالعقاب إن أسرع الناس بالجريمة ، ويرسل أقداره لتعمل عملها على اتساع القرون ، لا على ضيق الأعمار ، وفي نطاق الزمن الرحب ، لا في حدود الرغبات الفائرة ، والمشاعر الثائرة : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ، وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 3 » . والصبر من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة الفارعة ، فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل ، والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله ، لم يستأجر له أطفالا أو مرضى أو خوارين ، إنما ينتقي له ذوي الكواهل الصلبة ، والمناكب الشداد ! ! كذلك الحياة ، لا ينهض برسالتها الكبرى ، ولا ينقلها من طور إلى طور إلا رجال عمالقة وأبطال صبارون . . ومن ثم كان نصيب القادة من العناء والبلاء مكافئا لما أوتوا من مواهب ، ولما أدوا من أعمال .
--> ( 1 ) الأنبياء : 37 . ( 2 ) البخاري . ( 3 ) الحج : 47 .